الاجابة هى :
لَم يُرغِّب القرآن الكريم المسلمين في الاستزادة من شيءٍ سوى من العلم؛ فقال - سبحانه -: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114].
كما حَثَّهم على التفقُّه في الدين؛ فقال - سبحانه -: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122].
وقد عجَّت السُّنة المُطهَّرة بأحاديثَ تَعِد طالب العلم بالجزاء الجزيل؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن سلَك طريقًا يَلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة))، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على عِظَم طلب العلم، وعِظَم أجْره.
مما لا شكَّ فيه أنَّ أفضل العلوم العلمُ الذي يَجمع بين خيري الدين والدنيا، ومن هذه العلوم علم الحديث، وقد قال - سبحانه -: ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ [الإسراء: 71].
"وليس لأهل الحديث مَنقبة أشرف من ذلك؛ لأنه لا إمامَ لهم غيره - صلى الله عليه وسلم".
هذا العلم الذي نَفَر للتفقُّه فيه رجالٌ من هذه الأُمة، وسَهِروا على تَنْقية سُنة الحبيب المصطفى من كلِّ الشوائب التي شابَتها، وبلَغوا من الخبرة والإتقان في هذا المجال، إلى درجة أنهم كانوا إذا سَمِعوا الحديث، عرَفوا صحته من ضَعْفه، وعِلَّة راويه، فكان لهم السَّبق على غيرهم من الأُمم في هذا المجال، وتفرَّدوا به عن سواهم، ووضَعوا له قوانين دقيقة، وكُتبًا قَيِّمة.
ومن أبرز هؤلاء الرجال، فارس من فرسان الحديث، وأستاذ من أساتذته، ألَّف في هذا العلم وعُمره لا يتجاوز الثامنة عشرة عامًا، وهو محمد بن إسماعيل البخاري، وفيما يلي ترجمة مُقتضبة لهذا النجم الساطع، الذي وصَفه الإمام مسلم بأنه طبيب الحديث في عِلَله.
هو أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الفارسي - رحمه الله - كانت ولادته ببخارى عام 194هجرية"
لقد ظهَر نبوغ البخاري في الحديث مُذ كان صغيرًا، فعُرِف بسرعة حِفظه، وسَعة فَهمه، وطول صبره، وصفاء ذِهنه، وكثرة ارتحاله لطلب العلم، وفي هذا يقول عن نفسه: "دخَلتُ الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقْمتُ بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخَلت إلى الكوفة وبغداد مع المُحدِّثين"، وكان كثير التردُّد على شيوخ الحديث؛ سواء في بلده، أو البلدان المحيطة بها، إلى أن عرَف أساليب الحديث ومتونه، وفيما يخصُّ الرجال أرَّخ لهم في زمان ومكان ولادتهم ووَفاتهم، حتى برَع في هذا، وزال عنه كلُّ غموضٍ، وقد كان شيوخه يَهابونه، حتى قال عنه شيخه محمد بن سلام الكندي: "كلما دخَل عليّ هذا الصبي تحيَّرتُ، والْتَبَس عليّ أمرُ الحديث ولا أزال خائفًا"
قصَد البخاري مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فوجَدها فرصة مُواتية؛ ليَسمع من أئمَّة الحديث في هذا البلد، وقرَّر بعدها البقاء في المدينة المنورة لطلب الحديث، وعند بلوغه سنَّ الثامنة عشرة من عمره، صنَّف أوَّل كتابٍ له، وفي هذا يقول عن نفسه: "لَما طعَنت في ثماني عشرة سنة، صنَّفت "قضايا الصحابة والتابعين"، ثم صنَّفت "التاريخ الكبير" في المدينة عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليالي المُقمرة"